الشيخ محمد الصادقي
15
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
الشقاء والعناء ولأنه قول ثقيل : « إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا » فالقول الثقيل يقتضي للمقول له العبء الثقيل ، والتعبد الثقيل ، دون ان يكتفي بالميسور القليل ، ولذلك أخذ يتكبد فيما يتعبد حتى جاء امر الجليل بالتقليل « طه . ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى » : اجل ، ليس القرآن مجالا للشقاء على أية حال ، حيث المحور الأصيل فيه في كافة مجالاته وجلواته يسردون عسر ، فإنه ميسّر للذكر لكل مدّكر فضلا عن منزل وحيه ومهبط رسالته : « وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ » فلا تتجاوز تكاليفه طاقة الإنسان أيا كان ، إذ لا يفرض إلّا ما في الطوق والسعة ، نعمة دون شقوة ونعمة . كما اننا ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى في حمل الناس على الهدى ، فتغيّظا وتضيّقا حين لا يؤمنون ، واستزادة حين يؤمنون ، إذ ليس عليك هداهم ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ولاتك في ضيق مما يمكرون ، فإنما الغاية القصوى منه محصورة في : « إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى » تذكرة للمدّكر ، وتبصرة للمتبصر ، ف « إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ » ( 36 : 11 ) والاستثناء هنا من أوصل المتصلات دونما انقطاع ، ف « ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى » في الأولى أو الأخرى ، ولا لأمور أخرى « إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى » ومما يشهد لذلك الحصر ان الذكر هو من أسماء القرآن الأصيلة ، ذكرا لكافة الآيات آفاقية وانفسية جملة وتفصيلا . وقد تتوسع « لتشقى » وما أولاها ، إلى انك تشقى وتتعب في نفسك ودعوتك تذكرة لمن يخشى ، حيث تنذر به قوما لدا ، فما شقاءك وعناؤك كرسول إلّا للذكرى ، واما أنت يا رسول الهدى فقد يكفيك ما أنت دون نصب في تعبدك فإنك « أَوَّلُ الْعابِدِينَ » .